أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

195

العقد الفريد

فوصف نفسه بالصبر والجلد والقوّة على التهالك ، ثم أدركته الرقة والاشتياق في البيت الذي بعده : أغرّك مني أنّ حبّك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل مستدركا قوله في البيت الأول : فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل ولم يزل من تقدّم من الشعراء وغيرهم مجمعين على ذمّ الغراب والتشاؤم به ، وكان اسمه مشتقا من الغربة ، فسموه غراب البين ، وزعموا أنه إذا صاح في الديار أقوت « 1 » من أهلها ، وخالفهم أبو الشّيص فقال ما هو أحسن من هذا وأصدق من ذلك كله ، قوله : ما فرّق الأحباب بع * د اللّه إلا الإبل والناس يلحون غرا * ب البين لمّا جهلوا « 2 » وما إذا صباح غراب * ب في الديار احتملوا وما على ظهر غرا * ب البين تطوى الرحل وما غراب البين إلّا * ناقة أو جمل وقال آخر في هذا المعنى وذكر الإبل : لهنّ الوجى إذ كنّ عونا على النّوى * ولا زال منها ظالع وكسير « 3 » وما الشؤم في نعب الغراب ونعقه * وما الشؤم إلا ناقة وبعير ومن قولنا في هذا المعنى : نعب الغراب فقلت أكذب طائر * إن لم يصدّقه رغاء بعير ردّ الجمال هو المحقّق للنّوى * بل شرّ أخلاس لهنّ وكور « 4 »

--> ( 1 ) أقوت الدار من أهلها : خلت ( 2 ) يلحون : يلومون ويعذلون . ( 3 ) الوجى : رقة القدم أو الحافر أو الخفّ من كثرة المشي . ( 4 ) الرّد : الظهر . وأحلاس : جمع حلس ، وهو كل شيء ولي ظهر البعير والدابة تحت الرحل والقتب والسرج . والكور : الرحل .